جلال الدين السيوطي
644
الإتقان في علوم القرآن
ظهور لواحد من ذلك ، وإبانة الشارع من الكوع تبيّن أن المراد ذلك . وقيل : لا إجمال فيها ؛ لأن القطع ظاهر في الإبانة . ومنها : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [ المائدة : 6 ] : قيل : إنها مجملة ؛ لتردّدها بين مسح الكلّ والبعض ، ومسح الشارع الناصية مبيّن لذلك . وقيل : لا ، وإنما هي لمطلق المسح الصادق بأقلّ ما يطلق عليه الاسم ويفيده . ومنها : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ [ النساء : 23 ] : قيل : مجملة لأنّ إسناد التحريم إلى العين لا يصحّ ؛ لأنه إنّما يتعلّق بالفعل ، فلا بدّ من تقديره ، وهو محتمل لأمور لا حاجة إلى جميعها ، ولا مرجّح لبعضها . وقيل : لا ، لوجود المرجّح ؛ وهو العرف ؛ فإنّه يقضي بأن المراد تحريم الاستمتاع بوطء أو نحوه . ويجري ذلك في كلّ ما علّق فيه التحريم والتحليل بالأعيان . ومنها : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا [ البقرة : 275 ] : قيل : إنها مجملة ؛ لأنّ الربا الزيادة ، وما من بيع إلّا وفيه زيادة ، فافتقر إلى بيان ما يحلّ وما يحرم . وقيل : لا ؛ لأنّ البيع منقول شرعا ، فحمل على عمومه ما لم يقم دليل التخصيص . وقال الماورديّ « 1 » : للشافعيّ في هذه الآية أربعة أقوال : أحدها : أنّها عامّة ؛ فإنّ لفظها لفظ عموم يتناول كلّ بيع ، ويقتضي إباحة جميعها إلّا ما خصّه الدليل ، وهذا القول أصحّها عند الشافعي وأصحابه ، لأنّه صلّى اللّه عليه وسلّم نهى عن بيوع كانوا يعتادونها ، ولم يبيّن الجائز ، فدلّ على أنّ الآية تناولت إباحة جميع البيوع ، إلّا ما خصّ منها ، فبيّن صلّى اللّه عليه وسلّم المخصوص . قال : فعلى هذا في العموم قولان : أحدهما : أنه عموم أريد به العموم ، وإن دخله التخصيص . والثاني : أنه عموم أريد به الخصوص . قال : والفرق بينهما أن البيان في الثاني متقدّم على اللفظ ، وفي الأول متأخّر عنه مقترن به . قال : وعلى القولين يجوز الاستدلال بالآية في المسائل المختلف فيها ما لم يقم دليل تخصيص . والقول الثاني : أنّها مجملة ، لا يعقل منها صحّة بيع من فساده إلّا ببيان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . ثم
--> ( 1 ) في تفسيره 1 / 348 - 350 ، وفيه : ثلاثة أقاويل .